من الأفضل عدم زواج بعض المرضى النفسيين لأسباب جوهرية


هل يمكن زواج المريض النفسي أم من الأفضل عدم الزواج؟

سؤال يفرض نفسه كثيراً والإجابة عليه في غاية الحيرة والجدل لأن مدى نجاح واستقرار العلاقة الزوجية يرتبط كثيراً بالاستقرار النفسي للزوجين..
إذاً ما مدى إمكانية مصارحة الطرف الآخر بوجود مرض نفسي قبل الزواج؟ وما مدى إمكانية ووراثة الاضطراب النفسي لدى الأبناء؟

أسئلة كثيرة تثار حول هذا الموضوع الحساس قمنا بطرحها على الأستاذ الدكتور عزت عبد العظيم استشاري الطب النفسي بمستشفى الحمادي بالرياض وذلك لإلقاء الضوء عليها وتوضيح تلك الأمور.

د.عزت عبد العظيم
هل بإمكان المريض النفسي الزواج مثل سائر الناس؟

- بداية يجب أن نعلم بأن المرض بيد الله.. إذ إن أي إنسان عرضة للمرض وليس هناك حصانة مطلقة ضد المرض (أي مرض) بما فيه المرض النفسي ورغم أن وضع المرض النفسي مختلف نوعاً ما عن المرض العضوي لما للمرض النفسي من وقع غير مقبول لدى الناس ولأن الأمراض النفسية والعقلية مجموعة متنوعة ومتفاوتة من وجوه عديدة سواء درجة أو شدة المرض وكذلك فترة المرض وحدوث الانتكاسات أو النوبات المتكررة للمرض أو من حيث إمكانية الشفاء تماماً، ومن هنا لا يجب شمول كل المرضى النفسيين تحت حكم واحد نظراً لهذا التباين الواضح في الأمراض النفسية المختلفة، لكن الشيء المهم في إمكانية زواج المريض النفسي يعتمد على عدة عوامل متى توفرت لدى الشخص فإنه يكون قادراً على الزواج دون صعوبات أو مشاكل ومن هذه العوامل بالطبع درجة الاستقرار العاطفي والنفسي والتعقل والاتزان في علاقته الزوجية والأسرية ومع الجيران ومن يتعامل معهم، وكذلك المقدرة على تحمل المسئولية المادية والمعنوية لتكوين أسرة مع الالتزام بمتطلباتها وتكفلها بالرعاية مع التمتع بدرجة معقولة من التعاملات الإنسانية الراقية مثل دفء المشاعر والحب والتواصل والتفاهم مع الزوجة والأبناء فيما بعد وهذا بالطبع يتأتى إذا كان المرض النفسي لا يؤدي لأي اختلال في العلاقة الزوجية فإذا توفرت هذه الشروط يمكن لأي مريض كان (عضوياً أو نفسياً) أن يتزوج دون خوف من فشل الزواج ولهذا فإن معظم المرضى النفسيين يمكنهم الزواج دون مشاكل لكن من الأفضل استشارة الطبيب النفسي قبل الشروع في الزواج لمعرفة إمكانية ذلك دون مجاملة.

هل الصراحة مطلوبة ووجوب إعلام الطرف الآخر بالمشكلة النفسية قبل الزواج؟ وهل سيتم قبول الزواج بعد ذلك؟

- بالطبع لأن من فضائل الأخلاق الأمانة والصدق والصراحة وخصوصاً في مثل هذه الأمور المهمة مثل الزواج ولهذا فالشفافية والصراحة مطلوبتان لأنه مستقبل أسرة وارتباطات عائلية واجتماعية واستقرار أسري و أبناء وأمور أخرى تظل مدى الحياة، ولهذا من الضروري أن يكون كل شيء واضحاً وعلى بيِّنة قبل الزواج حتى لا نخدع أنفسنا ونخدع الآخرين معنا وتتفجر المشاكل والخلافات الزوجية من ذلك وتصبح مصدرا (للعكننة) وتخاصم العائلات وتصدع الأسرة نظراً لعدم تحمل الطرف الآخر لظروف هذه المشكلة النفسية ونتيجة لعدم معرفته بها والموافقة عليها من البداية ولهذا فإننا نرى أنه من الأفضل وضع كل الأمور بوضوح على الطاولة تماماً مثل الاتفاق على المهر وأمور الزواج الأخرى، ولهذا يجب عدم إخفاء الحقيقة عن الطرف الآخر، لكن قد يعترض البعض على هذا الرأي لأنه إفشاء لسر المريض وفضحه قبل الزواج دون داع وقد يؤثر على إمكانية إتمام الزواج وربما الرفض وهذا أفضل من المشاكل والطلاق بعد الزواج وإنجاب أبناء، أما إذا تمت الموافقة بعد معرفة الظروف فهذا أفضل لأن الطرف الآخر سيقدر هذه الصراحة والوضوح ويحترم هذه الظروف ويتفهم الوضع وبالتالي يتصف بالتحمل والتماس العذر للمريض مع الاهتمام والعطف والحنان ومحاولة إراحته نفسياً بالابتعاد عن المشادات والمشاجرات والخلافات الزوجية تقديراً للظروف ولهذه الصراحة وبالتالي الاستقرار الأسري.

هناك أمراض يمكن معها الزواج وأخرى لا يفضل معها الزواج.. نرجو توضيح ذلك ولماذا؟

- كما قلنا معظم الأمراض النفسية يمكن الزواج في ظل وجودها طالما لا تعوق عن الزواج والاضطلاع بالمسؤوليات الاجتماعية والأسرية والمادية والزوجية وتكون التصرفات والسلوكيات والحالة الانفعالية والعاطفية على درجة كبيرة من الاستقرار والاتزان ولا تؤثر سلباً على العلاقة الزوجية بكل تبعاتها السابقة ويمكن احتمال الطرف الآخر لبعض الأمور التي قد تحدث من المريض والتغاضي عنها نظراً لوضع الحالة النفسية، وبالطبع إذا توافرت هذه الأمور أو تلك الشروط فإنه من المسموح لهؤلاء المرضى الزواج وهذا ما يتوفر في معظم الأمراض النفسية مثل معظم الاضطرابات الشخصية وبعض الاضطرابات السلوكية والأمراض العصبية وبعض الأمراض العقلية (الذهانية) الخفيفة والمتقطعة والقابلة للشفاء تماماً أو الاستقرار مع أقل علاج نفسي، لكن في المقابل هناك بعض الأمراض النفسية لا يفضَّل معها الزواج مثل بعض الأمراض العقلية (الذهانية) الشديدة كالفصام المتدهور والاضطراب الوجداني الذهاني الشديد سريع التقلب أو كثير التكرار أو المزمن المستعصي على العلاج وكذلك حالات التخلف العقلي الشديدة أو اضطرابات الشخصية السيئة مثل الشخصية العدوانية (السيكوباتية)، حيث سوء السلوك والعنف والأنانية وعدم تحمل المسؤولية وتعاطي المخدرات وما إلى ذلك من أمور تؤدي للخلافات والمشاكل الزوجية وكذلك أيضاً احتمال وراثة أحد الأبناء للمرض النفسي أو حتى حدوث الاضطرابات النفسية لدى الأطفال نتيجة لأخطاء التربية من جانب الآباء المرضى نفسياً، ولهذا فإنه من الضروري استشارة الطبيب النفسي لأخذ الرأي المناسب في إمكانية الزواج من عدمه بدون مجاملة.

من شروط الزواج الصحيحة كفاءة وسلامة القوى العقلية والاستقرار النفسي، فما الجانب الطبي الشرعي في زواج المريض النفسي؟

- بالطبع ديننا وشرعنا يوجب أن يكون الشخص بالغاً رشيداً (أي عاقلاً) ومعافى بدنياً والطب النفسي الشرعي أيضاً يركز على هذه النقطة المهمة في أمور شتى من حياة الإنسان وليس الزواج فقط، حيث يشترط أن يكون الشخص في كامل قواه العقلية حتى يستطيع إدارة شؤونه الخاصة والتصرف في ممتلكاته وحتى إصدار رخصة قيادة دون وصاية من أحد، ومن هنا فإن القانون يجيز أخذ رأي الطب النفسي في مدى سلامة واستقرار الحالة النفسية والعقلية لأي شخص يتضرر الآخرون من تصرفاته وسلوكياته معهم وذلك حماية للآخرين وحتى المريض من نفسه عن طريق علاجه نفسياً، وبناء على ذلك يجوز إبطال العقود سواء بيع أو شراء أو قرارات وإلغاء الزواج وحتى الحجر على المريض وإيداعه إحدى مصحات الأمراض النفسية والعقلية حتى يتم علاجه إذا ثبت أنه مريض من قبل لجنة من ثلاثة أطباء نفسيين لا تربطهم صلة قرابة بالمريض حتى الدرجة الثالثة.

ما هو آخر الكلام في هذه المشكلة؟

- نهاية تكون النصيحة ابتغاء مرضاة الله ألا وهي الصراحة المطلوبة في مثل هذه الأمور وحتى يكون الطرف الآخر على بينة من أمره من البداية إن شاء وافق وإن شاء رفض حتى لا تبدأ الحياة الزوجية بالغش والخداع ولا يحدث ما لا يحمد عقباه من مشاكل زوجية واجتماعية بعد ذلك وحتى يكون هناك تعاون صادق وتفاهم ودي من الطرف الآخر لاحتواء أي مشكلة، حتى يعم الاستقرار الأسري والسعادة قدر الإمكان، والله الهادي إلى سبيل الرشاد.



عودة الى صفحة الاخبار